القرطبي

258

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

ولا عطر بعد عروس . ويقال : إن من غل شيئا في الدنيا يمثل له يوم القيامة في النار ، ثم يقال له : انزل إليه فخذه ، فيهبط إليه ، فإذا انتهى إليه حمله ، حتى إذا انتهى إلى الباب سقط عنه إلى أسفل جهنم ، فيرجع إليه فيأخذه ، لا يزال هكذا إلى ما شاء الله . ويقال " يأت بما غل " يعني تشهد عليه يوم القيامة تلك الخيانة والغلول . الثالثة - قال العلماء : والغلول كبيرة من الكبائر ، بدليل هذه الآية وما ذكرناه من حديث أبي هريرة : أنه يحمله على عنقه . وقد قال صلى الله عليه وسلم في مدعم ( 1 ) : ( والذي نفسي بيده أن الشملة التي أخذ يوم خيبر من المغانم لم تصبها المقاسم لتشتعل عليه نارا ) قال : فلما سمع الناس ذلك جاء رجل بشراك أو شراكين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( شراك أو شراكان من نار ) . أخرجه الموطأ . فقوله عليه السلام : ( والذي نفسي بيده ) وامتناعه من الصلاة على من غل دليل على تعظيم الغلول وتعظيم الذنب فيه وأنه من الكبائر ، وهو من حقوق الآدميين ولابد فيه من القصاص بالحسنات والسيئات ، ثم صاحبه في المشيئة . وقوله : ( شراك أو شراكان من نار ) مثل قوله : ( أدوا الخياط ( 2 ) والمخيط ) . وهذا يدل على أن القليل والكثير لا يحل أخذه في الغزو قبل المقاسم ، إلا ما أجمعوا عليه من أكل المطاعم ( 3 ) في أرض الغزو ومن الاحتطاب والاصطياد . وقد روي عن الزهري أنه قال : لا يؤخذ الطعام في أرض العدو إلا بإذن الامام . وهذا لا أصل له ، لان الآثار تخالفه ، على ما يأتي . قال الحسن : كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا افتتحوا المدينة أو الحصن أكلوا من السويق والدقيق والسمن والعسل . وقال إبراهيم : كانوا يأكلون من أرض العدو الطعام في أرض الحرب ويعلفون قبل أن يخمسوا . وقال عطاء : في الغزاة يكونون في السرية فيصيبون أنحاء ( 4 ) السمن والعسل والطعام فيأكلون ، وما بقي ردوه إلى إمامهم ، وعلى هذا جماعة العلماء .

--> ( 1 ) مدعم : عبد أسود أهداه رفاعة بن زيد لرسول الله صلى الله عليه وسلم عام خيبر . ( 2 ) الخياط هاهنا الخيط . والمخيط بالكسر : الأبرة . ( 3 ) في ه‍ ود وج‍ وب : الطعام ، وكلها : أرض العدو ، إلا ب : أرض الغزو . ( 4 ) أنحاء : جمع نحى بالكسر وهو زق السمن . وقيل مطلقا .